الخلافه العثمانيه

منذ دخول الشعب التركي في الدين الإسلامي، وهو يسعى لخدمة الدين الإسلامي وإعلاء رياته وحماية مقدساته، فبدءً بالسلاجقة مرورًا بالزنكيين وانتهاءً بالدولة العثمانية، حاول الشعب التركي من خلال هذه الدول العملاقة التي عمل على تأسيسها، حماية المسلمين ورفع راية الإسلام خفاقة في جميع ربوع المعمورة.

الدولتان، الزنكية والسلجوقية، كانتا تسيران تحت راية الدولة العباسية وليس بشكل مستقل، أما الدولة العثمانية فكان تحركها مستقل، وكان هناك هدف واضح لدى مؤسيسها في جعلها دولة إسلامية كبرى تحمي المسلمين وتوحدهم بعد أن نالت الفرقة والنزاعات منهم.

تأسست الدولة العثمانية عام 1299، وفي تلك الفترة كانت دولة إسلامية صغيرة ليس لها نفوذ واسع، وعلى الصعيد المقابل كان المسلمون في تلك الفترة مفتتون ومشتتون، إذ سيطر المغول على بغداد عام 1258، وهربت سلالة الخلافاء العباسيين إلى مصر، واستظلوا بحماية المماليك “الشراكسة والأتراك” ولم يكن لهم هناك سلطة فعلية.

وفي إطار هدف مؤسسي وسلاطين الدولة العثمانية لإعادة روابط وأواصر الأمة الإسلامية قوية وعتيدة عملوا على توسيع رقعة سيطرتهم الجغرافية تحت راية الإسلام، وبعد تمكنهم من فتح إسطنبول عام 1453، أصبحت لديهم نقطة انطلاق قوية نحو الغرب والشرق. وبعد تحقيق تقدم ملحوظ نحو الغرب، اتجهوا في عهد السلطان سليم الأول “1470 ـ 1520” نحو الشرق فحاولوا فتح إيران وبعد تخوفهم من تحالف المماليك مع إيران “الصفوية” اتجهوا نحو بلاد الشام ومصر ومن ثم بلاد الجزيرة العربية فبسطوا سيطرتهم عليها عام 1517، وأصبحت المناطق الإسلامية تابعة بشكل كامل للدولة العثمانية، وأصبحت الأخيرة هي الدولة المسؤولة من المسلمين، إذ تُوج السلطان “سليم الأول” لقب الخلافة في القاهرة عقب تنازل الخليفة العباسي الأخير “المتوكل على الله الثالث” عنه.

ما قبل فتح بلاد الحرمين “1299 ـ 1517”

فيما يتعلق بالخدمات التي قدمتها الدولة العثمانية للديار الإسلامية، فهي لم تبدأ بفرض سيطرتها على الجزيرة العربية، بل بدأت بتاريخ تأسيسها، إذ حرص السلاطين العثمانيين منذ تأسيس الدولة العثمانية وحتى انهيارها على إرسال نصيب كبير من أموال الزكاة إلى بلاد الحرمين التي كانت تحت الحكم المملوكي قبل فتحها من قبل “سليم الأول”.

كما حرص السلطان “يلديريم بيازيد” والسلطان “محمد شلبي” والسلطان “مراد الثاني” على إرسال الهدايا والأموال من ميزانيتهم الخاصة مع القوافل المتجهة إلى الديار المقدسة.

عمل السلطان “محمد الفاتح” بعد فتحه لإسطنبول”، على إرسال قسم كبير من الغنائم التي حصل عليها، إلى الحجاز، وأوعز السلطان “محمد الفاتح” الدولة المملكوكية بأن تستخدم هذه الغنائم في زيادة أمن طرق الحج وإنشاء مصادر جديدة للمياه.

ما بعد فتح بلاد الحرمين “1517 ـ 1918”

أعقب فتح السلطان “سليم الأول” لبلاد الشام “1516” وفلسطين ومصر “1517” فتح بلاد الجزيرة العربية ومن ضمنها بلاد الحرمين، وكما انتقلت الخلافة العباسية من العباسيين إلى العثمانيين، وأصبحت خطبة يوم الجمعة تُقرأ بشكل رسمي باسم “سليم الأول”، وأصبح الأخير خليفة المسلمين بشكل رسمي، وبذلك أصبحت الحجاز تحت الإدارة العثمانية، وبدأ عصر جديد للحجاز بشكل رسمي.

بعد انتقال إدارة الحجاز إلى الدولة العثمانية، عمل السلاطين العثمانيون على بذل جهود ملموسة لخدمة الديار المقدسة، وبدأت الدولة العثمانية بإدارة بلاد الحرمين عن طريق تعيين “شيخ الحرم” من إسطنبول وإدامة علاقات جيدة مع آل هاشم والاستعانة بهم لإدارة بلاد الحرمين بشكل يتيح خدمة جيدة للدولة العثمانية، وكان يُدعى مُستلم الحكم من بني هاشم “شريف مكة” أو “شريف المدينة”.

حرصت الدولة العثمانية على تقديم كافة خدمات النظافة والصحة والرقابة الخاصة بالحجاج، وشكلت هيئات خاصة بتسيير وإدارة هذه الأعمال.

كما تولت الدولة العثمانية إدارة تنظيم قوافل الحج السنوية، فكانت الدولة العثمانية تُجمع الحجاج في الشام والقاهرة واليمن ومن ثم تنطلق بهم وسط حماية مشددة، وكانت تُتبع القوافل بخدمات مياه وإقامة مُريحة.

ووضعت الدولة العثمانية كتائب من جيشها بالقرب من البحر الأحمر والبحر الأبيض حيث تم تخصيص إسطول بحري ضخم لحمايتهم، وتم وضع قوات في اليمن وفي العراق لتوفير الحماية للأراضي المقدسة من أي عملية هجوم داخلية أو خارجية، واستمرت هذه الحماية لمدة 4 قرون.

وتم إنشاء قلعة أجياد ما بين 1781 إلى 1783 لتوفير حماية قوية لمدينة مكة المكرمة، وتم إنشاء قلعة “فُلفل” عام 1801 وقلعة “هند” عام 1806 على مقربة من مكة المكرمة.

تم إعادة إعمار بئر “السلطانة زبيدة” زوجة الخليفة العباسي “هارون الرشيد” وتم إنشاء قنوات “عين الحنين” و”عين جبل الرحمة (عرفة)”، وكان يتم الاعتناء بهم قبل كل موسم من مواسم الحج. وتم إصلاح حائط الكعبة الشريفة عام 1612 من قبل السلطان “أحمد الأول”.

وفي النهاية أمر السلطان العثماني الأخير “وحد الدين” من قائد الجيش في مكة “فخر الدين باشا” بإحضار كافة مقتنيات النبي “صلى الله عليه وسلم” من مكة إلى إسطنبول عام 1917، لحمايتها من الاستيلاء والنهب، عقب ضعف الدولة العثمانية وظهور بوادر خسارتها للحرب أمام الحلفاء.

الخلافه العثمانيه

خاضت الدولة العثمانية على مدار فترة حكمها التي استمرت لأكثر من 600 عام الكثير من الحروب والمعارك وانتصرت في الكثير منها، إلا أن انتصارها في بعض المعارك كان بمثابة نقطة محورية غيرت مسار التاريخ.

وفي هذا السياق رصدت صحيفة خبر ترك في تقريرها “أعظم 8 انتصارات حققتها الدولة العثمانية” أكبر 8 انتصارات شكلت تغيّرات مفصلية في تاريخ الدولة العثمانية على النحو التالي:

1ـ صد حصار عكا

خاض نابليون بونابرت معركة حصار عكا بنفسه لإثبات قدرته العسكرية التي لم تتأثر بتقدم سنّه حيث قال قبل الانطلاق نحو عكا: “إن القدر جعلني هرم واهن”، ورغب في إثبات قوته من خلال فتح عكا التي كانت حينها إحدى الولايات العثمانية التي رآها نابليون دولة ضعيفة. اصطدم نابليون بقلعة عكا عام 1799 التي عجز عن تخطيها نتيجة التخطيط العسكري الاستراتيجي للقائد أحمد باشا الجزار.

2ـ الدفاع عن بلافنا 1877 ـ 1878

تُعتبر بلافنا اليوم إحدى المدن البرتغالية. دافع عنها القائد العثماني المشهور عثمان باشا وجيشه بكل بسالة على الرغم من قلة العدة والعتاد، حيث عجز الروس والصرب عن مواصلة تقدمهم نحو الديار العثمانية، وذلك في حرب الـ93 التي اشتعلت بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية إبان حكم السلطان عبد الحميد الثاني، إلا أن استمرار الحرب استنزف الدولة العثمانية لتخسر بلافنا بعد الدفاع عنها لأكثر من عامين.

3ـ محاصرة فينا 27 أيلول/ سبتمبر ـ 16 تشرين الأول/ أكتوبر 1529

يُعرف هذا الحصار بأنه الواقعة التي نشرت الرعب في قلوب الأوروبيين على يد السلطان العثماني سليمان القانوني، حيث استمر الحصار لسبعة عشر يومًا هاجم خلالها الجيش العثماني فيينا بيد من حديد إلا أنه لم يستطع تخطي جدرانها المتينة، ونظرًا لقدوم فصل الشتاء قرر سليمان القانوني الانسحاب بجيشه للإبقاء على الانتصار المعنوي الذي حصلت عليه دولته في الوصول إلى أعمق نقطة في أوروبا.

4ـ معركة ميدان محاج 29 آب/ أغسطس 1526

هي المعركة التي هزم فيها السلطان سليمان القانوني جيش مملكة المجر، ولم تستغرق هذه المعركة العظيمة سوى ساعتين.

5ـ معركة براوازا 28 سبتمبر 1538

هي المعركة التي استطاع القائد خير الدين بربروس خلالها هزيمة الجيش البيزنطي بعدده الضخم الذي بلغ 300 سفينة و60 ألف جندي، وكان الهجوم الاستباقي المفاجئ الذي قام به بربروس هو السبب الرئيس وراء انتصار الجيش العثماني.

6ـ انتصار جناق قلعة 18 آذار/ مارس 1915

تعتبر إحدى الأساطير العثمانية التي تتغنى تركيا بذكراها في كل عام. حاول الإنجليز السيطرة على مضيق البوسفور ذي الموقع الاستراتيجي، وكانت المعركة شرسة جدًا، حيث يقال إن كل متر مربع كانت تسقط عليه أكثر من 6000 رصاصة، وبالرغم من حجم الخسائر التي تكبدها الجيش العثماني، إلا أن صدّه للجيش الغازي عن تحقيق مأربه يُعد انتصارا تاريخيا عظيما.

7ـ معركتا مرج دابق 1516 والريدانية 1517

تمكن السلطان سليم الأول من خلال هاتين المعركتين من فتح الشام ومصر، ليصبح للدولة العثمانية سيطرة مباشرة على المناطق الإسلامية، لتنتقل الخلافة من الدولة العباسية إلى الدولة العثمانية.

8ـ حرب التحالف المقدس

اندلعت هذه الحرب بعد تحالف عدد من الدول الأوروبية ضد الدولة العثمانية ظنًا منهم أن الدولة العثمانية باتت ضعيفة بعد فشلها في فتح فيينا بعد حصارها للمرة الثانية، استمرت هذه الحرب من عام 1983 وحتى 1699، وانتهت بهزيمة الدول الأوروبية المتحالفة وتقهقرها.

الخلافه العثمانيه 15

ولد السلطان عبد الحميد اﻷول ابن السلطان أحمد الثالث في 20 آذار/ مارس 1725. وقد أمضى 40 عاما في اﻷسر، فبقي محجوزا في قصره مدة حكم أخيه مصطفى الثالث.

تعرض السلطان مصطفى الثالث إلى وعكة صحية فتحت المجال إلى صراع بين وريثيه: أخوه عبد الحميد الأول وابنه سليم الثالث الذي كان لا يزال يافعًا، وتدخل حينها الجزائري حسن باشا. لينتصر في النهاية اﻷمير اﻷكبر سنا وهو عبد الحميد الأول ويتولى مقاليد الحكم بعد وفاة أخيه اﻷكبر مصطفى الثالث في كانون الثاني/ يناير 1774.

هو السلطان السابع والعشرين من سلاطين الدولة العثمانية. وحين تولى الحكم، كانت الدولة تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية. وقد اندلعت الحرب حينها مع الروس قبل توليه الحكم، وكانت لا تزال مستمرة، وخرجت ولايات عثمانية من سيطرة الدولة.

فأعلن السلطان عبد الحميد اﻷول استمرار الحرب ضد الروس، واضطر بعد انتصار الروس إلى قبول توقيع معاهدة “كوجوك كاينارجا” في 21 تموز/ يوليو 1774، وعقب الاتفاقية استقلت جزيرة القرم عن الدولة العثمانية.

ووفقا للمعاهدة، أعطيت السفن الروسية حرية الملاحة في البحرين الأسود والمتوسط، وفُرِضَت على الدولة العثمانية غرامة لروسيا كل سنة، ومُنِحَت روسيا حق حماية النصارى الأرثوذكس من رعايا الدولة العثمانية وأن تبني كنيسة لهم في إسطنبول.

ولتهدئة اﻷوضاع الداخلية للدولة العثمانية، أجرى السلطان إصلاحات سياسية واقتصادية، وعين لها خالد حامد باشا، ولمواجهة حركات التمرد عين القبطان الجزائري حسن باشا.

وعلى الرغم من المعاهدة، قامت روسيا بضم أجزاء من الدولة العثمانية إليها. في البداية استسلمت الدولة العثمانية لذلك بسبب ضعفها، لكنها فطنت لاحقا إلى نية روسيا الحرب، فأبلغت السفير الروسي عدة طلبات، رفضتها روسيا، فأعلنت الدولة العثمانية الحرب على روسيا.

تضامنت النمسا مع روسيا في حربها ضد العثمانيين، وكان هدف روسيا من المعاهدة فتح الطريق لاحتلال بلاد القرم التي تضم سواحل أوكرانيا وجنوبها. وانتهى اﻷمر بدخول 70 ألف عسكري روسي، فأصبحت القرم جزءا من روسبا. وفي عام 1784، احتل الروس القرم.

بعد سماع السلطان خبر استيلاء الروس على قلعة أنابا الواقعة داخل الحدود الروسية في وقتنا الحالي، أصيب بنزيف داخلي في الدماغ توفي على أثره في 7 نيسان/ إبريل 1789، وهو السلطان العثماني الوحيد الذي توفي بسبب هذا المرض.

تولى الحكم بعده السلطان سليم الثالث ابن اخيه مصطفى الثالث، واستغلت روسيا والنمسا وفاته لتجديد الحروب.

الخلافه العثمانيه 14

وُلد السلطان أحمد الأول في الثامن عشر من نيسان/ أبريل 1590 في مدينة مانيسا الواقعة غربي تركيا، في عائلة ملكية رباها السلطان “محمد الثالث” وربتها السلطانة “هاندان”.

يُعد السلطان أحمد الابن الثاني لأبيه، وكان السلطان محمود هو أخوه الأكبر، إلا أن أخاه محمود قُتل من قبل أبيه محمد الثالث، لادعاء بعض القادة العسكريين والمسؤولين الإداريين محاولته قتل أبيه لاعتلاء العرش، وبقتل محمد الثالث لابنه محمود، أضحى أحمد الأول الوريث الوحيد لأبيه.

تقلّده الحكم

تُوفي السلطان محمد الثالث عام 1603، وكان السلطان أحمد الأول ابن ثلاثة عشر عامًا، وعقب وفاة والده تم تقليده الحكم من قبل شيخ الإسلام والمسؤولين الإداريين رفيعي المستوى في الدولة العثمانية.

ويختلف السلطان أحمد الأول عن السلاطين العثمانيين الآخرين في تلقيه علومه الدينية والسياسية والإدارية وهو على عرش الحكم وليس قبل توليه للحكم.

فترة حكمه

تولى السلطان أحمد الأول مقاليد الحكم والدولة العثمانية في حالة حرب مع عدة دول، على رأسها النمسا، وعلى الرغم من صغر سن السلطان أحمد الأول، إلا أنه تمكن، من خلال قيادته للجيش العثماني، من استعادة العاصمة الصربية “بلغراد”، وعقب ذلك، اضطرت النمسا إلى توقيع معاهدة “زيتفاتورك” عام 1606.

وتُؤكد الوثائق التاريخية أن الدولة العثمانية أيضًا كانت بحاجة مُلّحة إلى هذه الاتفاقية، لما كانت تعانيه من حالة اضطراب اقتصادي وسياسي شديد، فلم ترَ بدًا من عقد الخناصر والجنوح للسلم مع النمسا لإخماد لهيب الحرب وإطلاق حمامة السلام، لتساهم في إعادة تفعيل النشاط الاقتصادي والتجاري الذي أُصيب بحالة ركود شديدة في كلا الطرفين نتيجة للحروب.

وتقلد السلطان أحمد الأول حكم الدولة العثمانية، والأخيرة في حالة حرب مع الدولة الصفوية في إيران، ولم يوقف السلطان أحمد الأول الحرب مع الدول الصفوية، بل عمل على إدامتها، بغية في إنهاك الدولة الصفوية، لإجبارها على إبرام معاهدة سلام تصب في صالح الدولة العثمانية، على غرار المعاهدة العثمانية النمساوية.

استمرت الحرب بين الدولتين العثمانية والصفوية إلى عام 1612، ولكن لم تسِر نتائجها كما كان يرغب السلطان أحمد الأول، إذ أن سوقه للجيش العثماني الذي كان يقاتل في النمسا إلى تبريز، لمساندة الوحدات المقاتلة ضد الجيش الصفوي بقيادة الشاه “عباس”، لم يكن موفقًا ولم يُقدم له النتائج التي يرنو إليها، حيث أن أفراد الجيش العثماني كانوا يعانون من حالة إرهاق شديدة نتيجة خوضها للعديد من الحروب منذ فترة زمنية طويلة.

على الرغم من تحقيق الجيش العثماني لنتائج إيجابية في بداية حربه مع الدولة الصفوية، إلا أن أسلوب الكر والفر الذي اتبعه الشاه “عباس” أرهق الجيش العثماني، وقلب النتائج لصالحه، وفي ضوء السير السلبي للمعارك العثمانية الصفوية، اقترح الصدر الأعظم “نصوح باشا” على السلطان أحمد الأول، قبول دعوة الشاه عباس لتوقيع معاهدة سلام، ووقعت الاتفاقية بين الطرفين عام 1912، تحت اسم “اتفاقية نصوح باشا”، وفُتحت أبواب التجارة المتبادلة والعلاقات الدبلوماسية الجيدة، ولكن لم تستمر الاتفاقية سوى عامين.

العصيان الجلالي

اًضرمت الشعلة الأولى للعصيان الجلالي داخل الدولة العثمانية، في عهد السلطان العثماني “ياووز سليم” 1470 ـ 1520، على يد “جلال بوزوكلو”، وظل لهيب العصيان الجلالي داء يعاني منه السلاطين العثمانيون الذين توالوا على العرش العثماني، وكان للسلطان أحمد الأول نصيبه من ذلك العصيان، إلا أنه تمكن من إخماد لهيب هذا العصيان، وقضى عليه إلى الأبد.

آثار السلطان أحمد الأول

ـ على الصعيد الإداري: وضع السلطان أحمد الأول معيار “الأكبر والأرشد”، كمعيار لنظام الوراثة الملكية في الدولة العثمانية، كبديل لنظام “قتل الأخ” الذي وُضع كأساس لاعتلاء العرش في عهد السلطان العثماني “محمد الفاتح”1432 ـ 1481، حيث صار السلاطين العثمانيون يقتلون أبناءهم أو إخوانهم من أجل التفرد بالعرش، وبالتالي منع أي حالة عدم استقرار ممكنة داخل حدود الدولة العثمانية، بسبب اقتتال الأخوة أو الآباء والأبناء على العرش.

ـ على الصعيد المعماري: اشتهر السلطان أحمد بعشقه للآثار المعمارية، فعمل على إنشاء عدد من تلك الآثار التي ما زالت راسخة إلى يومنا هذا، تُذهل الناظر إليها من الإبداع المعماري الذي تتمتع به، ومن هذه الآثار:

ـ مسجد السلطان أحمد أو المسجد الأزرق “1610” الذي يتمتع برونق معماري فريد ومُرصع بنقوش زخرفية ساحرة.

ـ كلية مراد باشا التعليمية.

ـ مسجد المسيح باشا في إسطنبول.

ـ مسجد عمر باشا في إسطنبول.

الخلافه العثمانيه 13


ولد السلطان العثماني سليم الثاني، في 28 مايو عام 1524، وهو السلطان العثماني الحادي عشر، والابن الثاني للسلطان سليمان القانوني من جاريته “خرم” بعد الأمير محمد، وكانت فترة حكمه بين 1566 و1574م، ويُعتقد أن وصول سليم للحكم، كانت وراءه والدته خرم، حيث اتهمت بالتورط في إسقاط الصدر الأعظم، إبراهيم باشا، لأنه الموالي لولى العهد الشرعي مصطفى، وهى من حاكت المؤامرات التي أدت إلى إعدام مصطفى، فيما خلت الساحة العثمانية لسليم، إثر وفاة شقيقه الأكبر محمد والأصغر جهانكير، وإعدام شقيقه الذي تمرد على تعيينه وليًا للعهد بايزيد.

وتسلم السلطان سليم الثانى الحكم بعد وفاة والده سليمان القانوني، ولم يذع خبر والده إلا بعد فترة من وفاته، خوفًا من الانكشارية، لأنه كان ضعيفًا وغير متصف بما يؤهله للحفاظ على فتوحات أبيه، وبدأ سليم الثاني سلطنته بالتوجه فورًا إلى إسطنبول، حيث جلس على العرش العثماني، وبعدها توجه إلى الجبهة النمساوية، وقابل الجيش العثماني العائد من انتصاره على النمساويين، وكان يتقدمه نعش العاهل العظيم السلطان سليمان القانوني، وسلم الصدر الأعظم محمد باشا الصقلي على سليم الثاني بسلام السلطنة، وفي صحراء سيرم خارج بلغراد، بايع الجيش العثماني وريث العرش.

وفى عهده تم تجديد المعاهدات مع بولونيا وفرنسا، ثم اتفقت فرنسا مع الدولة العثمانية على تعيين هنري دي فالوا، شقيق ملك فرنسا شارلز التاسع، وتعيينه ملكًا على بولونيا، وهى مملكة بولندا، لتصبح تحت الوصاية الفعلية للدولة العثمانية حتى عهد مراد الثالث، الذي جعلها وصاية رسمية تحت حكم والي البغدان، وتسيدت فرنسا التجارة في البحر الأبيض المتوسط وبدأت ترسل إرساليات مسيحية كاثوليكية إلى رعاياها في الدولة العثمانية، لا سيما في الشام.

الخلافه العثمانيه 12

هو السلطان سليمان القانوني عاشر سلاطين الدولة العثمانية، ابن السلطان سليم الأول، ووالدته حفصة خاتون سلطان، ولد في طرابزون يوم 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1494.

درس العلوم والأدب والتاريخ والفقه والتكتيكات العسكرية في مدارس الباب العالي في القسطنطينية وهو في السابعة من عمره.

تولى مقاليد الحكم بعد وفاة والده يوم 22 أيلول سبتمبر 1520، وكان عهده قمة في الفتوحات والحركة المعمارية والعلمية، فقد كان شاعرا وراعيا كبيرا للثقافة ومشرفا على تطور الفنون والأدب والعمارة ويتقن اللغات العربية والفارسية والصربية.

وكان السلطان القانوني، يبدأ خطاباته دوما بالنصائح واﻵيات القرآنية وذكر فضل العدل وعاقبة الظلم الوخيمة، ويستهلها باﻵية الكريمة: “إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم”.

بلغت الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان القانوني أقصى قوة واتساع، فقد انتصر على الصفويين وضم أغلب مناطق الشرق، وأراضي واسعة من أفريقيا حتى الجزائر، وسيطر على المياه من البحر الأبيض المتوسط والأحمر حتى الخليج العربي.

وخضعت لحكمه الكثير من عواصم الحضارات كأثينا، وصوفيا، وبغداد، دمشق، وإسطنبول، وبودابست، وبلغراد، والقاهرة، وبوخارست،وتبريز وغيرها، حتى سماه زعماء أوروبا في ذلك الحين والمؤرخون حتى هذا اليوم “سليمان العظيم” (Suleyman the magnificent).

وبعد استلام القانوني حكم الدولة العثمانية،رفض ملك المجر دفع الجزية، وقتل رسول السلطان (لتصوره أن السلطان شاب ضعيف).

فكيف كانت ردة فعل السلطان؟

جهز السلطان جيشا كبيرا قوامه نحو 100 ألف جندي و300 مدفع و800 سفينة. وأعلن بابا الفاتيكان كليمنت السابع حالة النفير العام في أوروبا، وأصدر قرارا بمنح صكوك الغفران لكل من يشارك في المعركة.

وكوّنت أوروبا حلف الإمبراطورية الرومانية المقدسة، الذي يشمل: إسبانيا، وإيطاليا، وألمانيا، والنمسا، وهولندا، وبلجيكا، وسويسرا،ولوكسمبورغ، وأغلب فرنسا، ومملكة المجر التي تشمل: سلوفاكيا، وترانسلفانيا (رومانيا)، وشمال الصرب، ومملكة بوهيميا (التشيك)، وكرواتيا، وبولندا، وإمارة بافاريا، وجيوش الدولة البابوية، إضافة لمرتزقة من خيرة فرسان أوروبا مدعمين بأسلحة متطورة.

وقاد جيش موهاكس الصليبي مجموعة من أعظم قادة المجر، يترأسهم ملك المجر لويس الثاني، والقسيس بال توموري، الذي قاد أحد أجنحة الجيش لبث الروح الصليبية لدى المقاتلين.

معركة موهاكس

سار السلطان القانوني من إسطنبول إلى حصن بلغراد المنيع، ففتحه وتلقى التهاني بعيد الفطر والنصر فيه، وعبر نهر الدانوب بسهولة متوجها إلى المجر، حتى وصل إلى وادي موهاكس الذي يبعد عن شمال غربي بلغراد 185 كيلومتر و170 كيلومتر جنوبي بودابست.

وكان في انتظاره 200 ألف جندي مجري من ببنهم 5000 من الوحدات المساعدة القادمة من ألمانيا بقيادة الملك لايوش الثاني.

وفي ليلة المعركة 21 من ذي القعدة، الموافق 29 آب/ أغسطس 1526، سهر السلطان سليمان ليلته يدعو الله أن ينصره، وصلى الفجر وهو يؤم الجيش، ثم نظر إليهم بكل فخر واعتزاز، قائلا ودموعه تسيل من عينه: “وكأني برسول الله صلى الله عليه و سلم ينظر إليكم اﻵن”. فعانق الجنود بعضهم مودعين راجين الشهادة.

رسم القانوني خطة محكمة، تقضي باستدراج قوات الأعداء، بأن يقف جيش المسلمين في ثلاثة صفوف، وهو ومن معه في الصف الثالث ومن ورائهم المدافع، حتى إذا بدأ القتال تتقهقر الصفوف الأولى ويتراجعوا خلفه.

وعندما هجم المجريون، انسحب الجيش، وظن الصليبيون أن القوات انهزمت من المعركة، فاندفعوا كالسيل الجارف إلى الأمام.

عندها أعطى السلطان القانوني اﻹشارة لسلاح المدفعية فحصدتهم حصدا، فهربوا من ساحة المعركة بشكل فوضوي، وانتهت المعركة خلال ساعة ونصف تقريبا.

وذكر مؤرخون، أن معظم الجيش المجري غرق في المستنقعات، في حين أن خسائر الجيش العثماني قدرت بـ1500 شهيد وبضعة آلاف من الجرحى.

قتل في موهاكس، فيلاد الثالث (الملقب بدراكولا) والأساقفة السبعة الذين يمثلون النصرانية ومبعوث البابا 70 ألف فارس، و تم أسر 25 ألف جندي منهم، وأقيم عرض عسكري في العاصمة المجرية، وقبل الجميع يد السلطان تكريما له، بما فيهم الصدر الأعظم، ومكث السلطان 13 يوما، لتنظيم شؤون الدولة ورحل.

وانتهت أسطورة أوروبا، في حين كان جيش الخلافة في كامل قوته ولم يستنزف أبدا. دخل المسلمون عاصمة المجر بودا، وهي جزء من العاصمة الحالية بودابست، بعد أن اتحدت مع مدينة بيست، دخلوها مكبرين حيث صادف عيد الأضحى، فتلقى السلطان التهاني فيها. وبدخول الجيش العثماني إلى بودا، انهار الحاجز المجري الذي كان يقف في وجوههم ويحول دون الوصول إلى النمسا وألمانيا.

وعلى الرغم من انقضاء أكثر من 400 عام، إلا أن معركة موهاكس لا زالت تثير تساؤلات واستهجان وحقد ودهشة عدد من المؤرخين الأوروبيين، فقاموا بتشويه وتحريف الحقائق. وحتى اليوم، يعتبر المجريّون هذه الهزيمة شؤما ونقطة سوداء في تاريخهم، ولدى الهنغاريين مثل شائع عند التعرض لسوء الحظ: “أسوأ من هزيمتنا في موهاكس”.

ويقول المؤرخ الفرنسي إرنست لافيس، واصفا آثار المعركة: “لم يشهد التاريخ حربا كموهاكس، حسمت نتيجتها على هذه الصورة في مصادمة واحدة ومحت مستقبل شعب كبير لعصور طويلة”.

الخلافه العثمانيه 11

وُلد يووز سليم، يووز كلمة تركية تعني المزاج الصعب، في 10 سبتمبر 1470، في مدينة أماسيا، التي كان والده بايازيد الثاني يُديره في ذلك الوقت، في بعض المصادر يُقال بأن أمه السيدة غول باهار خاتون بنت السيد العدُيلة بوزكورت وفي بعض المصادر الأخرى يُقال بأن أمه هي السيدة عائشة خاتون بنت السيدة العدُيلة بوزكورت.[1]

ترعرع ونمى في مدينة أماسيا، مدينة تنشئة الأمراء العثمانيين، وبعد تحصيله لعدة علوم دينية ودنوية تم تعيينه من قبل والده بايازيت الثاني كوالي على مدينة طرابزون وهو في سن الشباب اليفع حيث لم يبلغ الخامسة عشر بعد “تولى ولاية طرابزون عام 1481 وكان عمره في ذلك وقت 11 عاما ً، وكان هدف السلطان بايازيت من ذلك هو إكساب الأمراء الشباب من ابنائه خبرة إدارية وعسكرية بواكر العمر حتى يصبحوا على خبرة وتجربة عالية.

تولى السلطان سليم الأول ولاية طرابزون بعد وفاة جده السلطان محمد الفاتح واعتلاء والده بايزيد الثاني للعرش عام 1481، استمر حكم سليم الأول لحكمه في طرابزون إلى عام 1510، خلال هذه الفترة اعتنى بأعمال الدولة الإدارية والعسكرية وإلى جانب ذلك تابع دروس الإمام عبدالحليم أفندي، شيخ طرابوزن، بكل اهتمام وعناية.

أيضا ً خلال فترة حكمه لطرابزون لاحظ سليم الأول ميل التركمان، الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للدولة العثمانية، إلى الدولة الصفوية وحكامها بسبب سخطهم من سياسات الدولة اتجاهم، ولتفادي هذا الميل والخطر الجسيم، الذي كان يمكن أن يشكله على الدولة العثمانية، قام سليم الأول دون أخذ الإذن من والده بتحريك التركمان في حملة عسكرية مُهيبة انطلقت عام 1508 مُتجهتا ً نحو جورجيا ومنطقة شرق تركيا، استطاع سليم الأول خلال هذه الحملة، التي أُطلق عليها “كوتاييس” بفتح قارس وأرض روم وأرتوين وضمهم للدولة العثمانية، وعد الفتح لم يقم بإرسال الغنائم الجمة المستحصل عليها إلى بيت المال بل قام بتوزيعه على الجنود التركمان لكسب قلوبهم وإبقاء ميلهم مُتصل بالدولة العثمانية.

استفاض غضب والد سليم الأول بايازيد الثاني عليه لقيامه بهذه الحملة الارتجالية دون الرجوع لاستشارته، ولكن بعد ذهاب سليم الأول للقصر واستماحه لوالده وشرحه للهدف، أثنى والده عليه وشكره على هذه الخطوة التي خدمت تماسك الدولة العثمانية وجيشها بشكل كبير.

كان لسليم الأول العديد من الأخوة الذين وصل تعدادهم إلى سبعة أخوة؛ شاهان شاه، عالم شاه، أحمد، كوركود، سليم، محمد، محمود، شاهان شاه وعالم شاه ومحمد ومحمود وافاتهم المنية في حياة والدهم، أما سليم وأحمد وكوركود فبقي على قيد الحياة.

كان سليم الأول قد وُلي على طرابزون أما كوركود وُلي على ساروهان وأحمد وُلي على مدينة أماسيا، وكان ابن سليم سليمان قد وُلي على كافا وابن أحمد وُلي على بولو، ماكان يفرق سليم الأول عن جميع الولاء والأمراء هو النجاح الباهر والنصر المؤزر الذي حققه بجيشه التركماني والدهاء الحكيم الذي ترجمه من خلال تقديم الغنائم للمجاهدين التركمان بدلا ً من تقديمها لبيت المال، هذان النجاح والذكاء لفتوا انتباه الانكشارية لسليم وإدارته.

ولكن على صعيد أخر كانت البيوقراطية العثمانية تدعم اعتلاء الأمير أحمد للعرش لاتسامه بالاتزان والحس الإداري المنتظم، وبما يخص كوركود فكانت إمكانية اعتلاءه للعرش ضعيفة وذلك لأنه كان عقيم لا ينجب ولا يملك من يرثه في الحكم.

في الفترة الأخيرة لحكم بايازيد الثاني، انزعج سليم الأول جدا ً من سوء إدارة والده للدولة وسؤونها إذ انتشر الفساد داخل مؤسسات الدولة وتوقفت الفتوحات العثمانية، كما كان والده قد شاخ وبدأت تظهر عليه سمات الشيخوخة والهرم الأرزلية، هذه العوامل دفعت السلطان سليم الأول يبدأ بالتفكير لاعتلاء العرش والإمساك بزمام الأمور لإعادة إصلاح الشؤون الإدارية للدولة العثمانية.

حسب الوثيقة الخاصة بالسلطان محمد الفاتح، التي استند في اصدارها إلى علماء عصره، يمكن للأخ الأقوى قتل أخوانه الأخرين من أجل الوصول إلى سدة الحكم ورأب الفتنة المتوقعة جراء الخلاف على العرش، استناداً لهذه الوثيقة بدأ سليم الأول يتتبع خطوات وتحركات أخوانه كوركود وأحمد.

ولتحقيق هدفه عمل سليم الأول على تجهيز جنوده وجيشه وضم لجيشه جيش شبه جزيرة القرم التتارية وكما حصل على دعم ملحوظ من قوات الانكشارية، وبدأ بالاستعداد للحرب العرشية، ولكن لأنه كان بعيد عن إسطنبول لم يكن يأخذ أخبار القصر بشكل سريع ومنتظم، لهذا السبب بدأ يطلب بنقله إلى أحد الولايات القريبة لإسطنبول، وفي ضوء هذا الهدف طلب إعطاءه ولاية إديرنة أو أحد الولايات البلقانية القريبة على إسطنبول.

حاول أبيه تهدئته من خلال إعطاءه ولاية الكفة إلى جانب طرابزون، ولكنه رفض، فحاول أبيه إرسال ثلة من العلماء لإقناعه وجعله يحيد عن مطلبه، ولكن صد جميع العلماء ولم يقبل أيِ منهم، عندما رأي عدم وجود رد إيجابي يلبي مطلبه تحرك بجيشه تجاه البلقان، تم إرسال العلماء من الجديد لتهدئته ولكن ولم يصغي إليهم.

لم يكن عصيان سليم الأول هو الأول ضد والده، فقد قام أخيه الأمير كوركود بالتحرك من أنطاليا إلى مانيسا دون سابق إذن، عندما رأي أحمد عصيان إخوته طلب من والده السماح له بقتلهما ولكن الأخير رفض ذلك وبشدة. بعد ورود خبر تحرك سليم الأول إلى البلقان إلى إسطنبول، تم طرح فكرة صد سليم الأول بجيش عثماني ضخم يوقفه ويعترضه، عندما علم سليم الأول بذلك أيقن بأن هناك خطر مُحدق يحيط به وبجيشه وبخططه، فقام بحذو حذو أكثر ليونة واستقبل العلماء والسفراء المُرسلين من قبل والده وبين لهم بأنه ليس عاصي أو منقلب على والده وبأنه أتى من طرابزون إلى البلقان ليعرض احترامه وتبجيله لوالده ويقبل يده[2].

لم يقبل المعارضون لسليم الأول، داخل الكيان الإداري للدولة، بحجته وأرسلوا القائد حسن باشا لمحاربته وصده، ولكن حسن باشا عاد دون أن يحاربه، فقام والده السلطان بيازيد بركوب الخيل وأنطلق نحو مكان تواجده وجيشه، بعد انطلاق الجيش بقليل تعب السلطان العجوز بيازيد الثاني فنزل عن ظهر الخيل وركب عربة بحصان، بعد وصول بيازيد الثاني بجيشه إلى حيث سليم الأول، أمر سليم الأول بعدم التعرض لوالده وجيشه مهما كانت الأسباب.

بعد وصول بيازيد الثاني ذهب سليم الأول إلى العربة التي يمتطيها وقبل يده وعرض عليه احترامه، تأثر بيازيد الثاني وحزن جدا ً عندما رأي قوة ابنه قد فاقت قوته، وبعد توسط بعض ولاة البلقان تم توقيع اتفافية بين سليم الأول ووالده بيازيد الثاني، وجاء في هذه المعاهدة التالي:

ـ ردا ً على الإشاعات المنتشرة بين أوساط الدولة العثمانية؛ على أن الأمير أحمد هو ولي العهد، يتم التوثيق والتأكيد، في هذه المعاهدة، على أن الأمير أحمد ليس ولي عهد كما يُشاع.

ـ يتعهد بيازيد الثاني بعد وضع أي ولي عهد يخلفه بعد موته.

ـ تُعطى ولاية سامانديرا، الواقعة في البلقان بالقرب من إسطنبول، لسليم الأول[3].

كانت هذه الاتفاقية بمثابة الرسالة القوية من سليم الأول لإخوته على أنه لن يسمح لأحد بتولي سدة الحكم العثمانية مادام حيا ً.

بعد توقيع المعاهدة طلب منه والده الخروج في حروب فتوحية تجاه المجر والصرب، خرج بجيشه ولكن لم يقم بما أمر به والده بل تماطل في الطريق ولم ينفذ ماأمر به والده، بعد عصيان سليم الأول الواضح الأول لوالده وبعد ترك أحمد والده ورجوعه إلى أماسيا وبعد وفاة الأمير والي كارامان شاهان شاه اشتد الحمل على السلطان العجوز بيازيد الثاني وقرر اعتزال الحكم.

قبل اعتزال الحكم اجتمع بيازيد الثاني برجال الدولة رفيعي المستوى، ورأي الجميع الصواب في ترقية السلطان أحمد للعرش، بعد إجماع رجال الدولة على تولي الأمير أحمد لمقاليد الحكم، وافق السلطان بيازيد على ذلك ورأي به الصواب وأمر بإرسال خبر للأمير أحمد ليحضر إلى القصر العالي[4].

بعد ترقية الأمير أحمد للعرش أمر السلطان بيازيد من ولاة البلقان مبايعة الأمير أحمد بصفته السلطان الجديد للدولة العثمانية، وافق ولاة البلقان على مبايعة أحمد إلا أن الانكشارية ترددت في ذلك وأخبرت السلطان بيازيد الثاني بأنها “لن تقبل أي شخص أخر كلسطان مادام نفسه حيا ً يرزق”[5].

بعد وصول هذه الأخبار المستجدة إلى السلطان سليم، أيقن بأن والده لم يقم بالإيفاء بالتزامه بالمعاهدة المُبرمة بينهما، فقام بتحريك الجيش، الذي كان يبلغ تعداده 40 ألف شخص” نحو ولاية “تشورلا” حيث جيش والده، وفي أغسطس 1511 حدثت معركة شديدة بين جيش سليم الأول وجيش والده وأنزل الأخيرة هزيمة شديدة بسليم الأول اضطرته إلى الإنسحاب من أرض المعركة عائدا ً إلى سماندرا.[6]

بعد هذه الهزيمة القاسية عاد سليم الأول إلى البحر الأسود وهرب إلى جزيرة “إينادة” للهروب من جيوش أبيه، بعد إيقاع الهزيمة به أرسل بيازيد الثاني رسالة على الفور لأحمد للقدوم للقصر.[7]

بعد اعتلاء الأمير أحمد إلى العرش، لم تعترف بعض جنود الانكشارية به، ولم تقتصر على عدم الاعتراف به بل قامت بقتل واغتيال المقربين له من رجال الدولة. كان هناك جزء كبير من الانكشارية غير معترف بسلطنة الأمير أحمد وكانت تطلب وبكل اصرار أن يصبح سليم الأول ولي العهد لوالده، بعد تلقي أحمد أخبار العصيان الانكشاري عاد إلى الأناضول خوفا ً من الاغتيال الانكشاري، بعد انسحاب أحمد من المواجهة رأى المعارضون لسلطنة سليم الأول أنه من الضروري

دعوة كوركود لتولي مقاليد الحكم كسلطان ووالي عهد لأبيه.

بعد قدوم كوركود لإسطنبول، أظهرت الانكشارية له الاحترام ولكن أخبرته بأنها لن تقبل سوى سليم الأول خلفا ً لوالده، وانتفضت الانكشارية مابين 6 مارس إلى 24 أبريل 1512 لتُعلن بأنها لن تقبل أي وريث للسلطان بيازيد سوى ابنه سليم الأول.

رأي بيازيد الثاني بأنه يتوجب عليه تسليم الحكم لسليم الأول لا محالة، فقام بدعوته لإسطنبول، وفي أبريل 1512 قام بتسليم الحكم لابنه سليم الأول ليصبح السلطان العثماني التاسع، جرت مراسم اعتلاء سليم الأول للعرش بتاريخ 23 مايو 1512.

ـ مابعد تسلمه للسطلنة:

اتسم سليم الأول حتى قبل تسلمه للسطلة، بالحسم والعزم والمزاج الصعب، وهذه الصفات التي ميزته وحكمه الذي استمر من عام 1512 إلى عام 1520.

بعد اعتلاء سليم الأول للعرش لم يقبل أخوه أحمد، الذي كان ينتظر على فارغ من الصبر تولي مقاليد الحكم، حكمه، فأعلن بتاريخ 19 يونيو 1512 ضم قونيا لحكمه المنفصل عن إسطنبول وأرسل ابنه علاء الدين إلى بورصة وقتل الأخير والي بورصة وسيطر عليها وأمر بقرأة الخطبة باسم أبيه أحمد.

ردا ً على هذه التحركات قام سليم الأول، بتاريخ 29 يوليو 1512، بالاتجاه نحو بورصة وبعد وصوله لها طرد علاء الدين منها، وكما قام سليم الأول بإعدام الأطراف الداعمة لأخيه أحمد سرا ً مثل الصدر الأعظم كوجا مصطفى باشا وبعض رجال الدولة رفيعي المستوى، ووصل إلى قونيا وطرد أحمد منها قسرا ً.[8]

قبل أخ سليم الأول الأكبر كوركود بحكم أخيه سليم الأول كسلطان للدولة، ولكن لم يطمئن قلب سليم الأول تجاه أخيه بشكل كامل فقام بدعوة رجال الدولة رفيعي المستوى إلى إرسال رسائل تحريرية تجس نبضه حول إمكانية الإنقلاب على سليم الأول وتولي الحكم محله.[9]

رد كوركود على هذه الرسائل بالقبول، فأمر السلطان سليم الأول محاصر مانيسا، التي يحكمها كوركود، على الفور، وهرب كوركود منها ولكن تم إلقاء القبض عليه بالقرب من مدينة باليك أسير، وبتاريخ 9 مارس 1513 قتله سليم الأول ليحفظ الدولة العثمانية من الفتنة الدائرة حول العرش. [10]

وكما أمر سليم الأول رجال الدولة إرسال رسائل تحريرية لأخيه أحمد تُقنعه بأنهم سيقفون إلى جانبه إذا أتى إلى إسطنبول وحارب سليم الأول، أخذ أحمد بهذه الرسائل وانطلق نحو إسطنبول، وفور وصوله لبورصة بغاته سليم الأول بجيشه على حين غرة، وتم قتله من قبل سنان أغا، رجل سليم الأول المُكلف بتلك المهمة، وبذلك تمكن سليم الأول من تولي مقاليد الحكم بشكل خاص وبدون منافس.

ـ الحرب مع إيران:

بعد تولي السلطان سليم لسدة الحكم، كانت الدولة العثمانية تعاني العديد من المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية، وكان السبب الرئيس لجُل هذه المشاكل التي تواجهها الدولة العثمانية هو الخطر الشيعي الصفوي الذي كانت تمثله الدولة الصفوية في إيران.[11]

كان الخطر الصفوي يتمثل في كونه مذهب أسسه إسماعيل شاه الذي يسعى من خلاله تحقيق أكبر انتشار جيوسياسي وتمدد جغرافي ممكنا، وكان يعتقد السلطان سليم الأول بأن إنهاء هذا الخطر سيكفل للدولة العثمانية متانة سيطرتها وسيادتها في منطقة شرق الأناضول، وكما كان يهدف توحيد الدولة الإسلامية تحت لواء واحد.[12]

بعد تفكير جلي، أمر السلطان سليم الأول بالبدء في تجهيزات الحرب، وكما كان يعلم الشاه إسماعيل بأن السلطان سليم الأول لن يتركه وشأنه لذا كان هو أيضا ً على أهبة الاستعداد لمواجهة الهجوم المتوقع من قبل سليم الأول. بعد الانتهاء من التجهيزات انطلق سليم الأول وجيشه صوب إيران، عام 1514، ووضع ابنه سليمان “سليمان القانوني” مكانه ليكون نائبا ً له في غيابه[13].

طالت مسيرة الجيش نحو إيران، وأصاب الإرهاق الجيش قبل الاحتدام والتعارك، وازداد هذا الإرهاق والتعب بعد نفاد الامداد الغذائي الخاص بالجيش بشكل كبير، في هذه الحالة كان هناك الكثير من الجنود الذين بداؤوا بالتفكير بالانسحاب وعدم إكمال المسير.[14]

لاحظ سليم الأول تكاسل الجيش وعدم رغبته بالاستمرار، فصعد حصانه وخطب بجيشه خطابا ً تحفيزيا ً حماسيا ً، وأوضح بأنه لا ينوي الرجوع إلى إسطنبول بل عزم على الاستمرار وملاقة العدو الصفوي، وصل الجند العثماني إلى منطقة “تشالديران” الحدودية مابين الأناضول وإيران، بتاريخ 23 أغسطس 1514، وهناك التقى الطرفان وبدأت المعركة وسُميت بمعركة “تشالديران” نسبة إلى المنطقة التي تمت بها.[15]

انتهت المعركة بتحقيق الجيش العثماني نصر مؤزر، وأًصيب إسماعيل شاه، في هذه المعركة، إصابة بالغة وسقط عن حصانه، ولكن قيام أحد جنوده بإعطاءه حصانه شكل له فرصة الهرب والابتعاد عن أرض المعركة، استمر سليم الأول في المسير إلى أن وصل إلى تبريز، وأرسل جميع علماءها إلى إسطنبول، بعد تحقيق سليم الأول انتصار مؤزر على الشاه إسماعيل، فقد الأخير مكانته وقل عدد داعميه، وكما لم يبق أي خطر مُداهم للدولة العثمانية من الجهة الشرقية.[16]

كان السلطان سليم الأول على نية الاستمرار في التقدم نحو إيران والقضاء على الدولة الصفوية بشكل كامل، ولكن حلول البرد القارص ونفاد المواد الغذائية بشكل شبه كامل اضطروه إلى التراجع وإعادة التجهيز بشكل أقوى، بعد رجوع السلطان سليم الأول إلى الأناضول وصل إلى مدينة أماسيا واستقر بها، ومن هناك شرع في إعادة تجهيز جيشه وقوته.[17]

بينما السلطان سليم الأول مشغول بتجهيز نفسه، حرض صدر أعظمه السابق دوكاكين أحمد باشا الانكشارية للانقلاب عليه، في فبراير 1515، ولكن الحكمة العسكرية وسرعة الحركة اللاتي زخر بهما ابنه سليمان أنقذوه من هذه المؤامرة. أما السبب الرئيسي في انقلاب دوكاكين فهو عزل السلطان سليم الأول له من مقامه، إذ تعود السلطان سليم الأول تغيير وزرائه ومستشاريه كل برهة من الزمن لكي يقي نفسه من نفوذهم الذي كانوا يسعوا لإقامته.[18]

بعد اكتشاف سليم الأول لركاكة الأوضاع الداخلية، قرر إلغاء تجهيزاته للحرب على إيران، وعاد لإسطنبول لإعادة ترتيب الأمور الإدارية والسياسية داخل الجهاز المؤسسي للدولة، بعد إعادة ترتيب البيت الداخلي لأجهزة الدولة رأي السلطان سليم الأول أنه يجب عليه تأمين ظهره بشكل كامل قبل الانطلاق نحو إيران، لذا قرر القضاء على المماليك، في مصر والشام، وذلك لأن جميع المنقلبين عليه كانوا قد فرووا إلى بلاد المماليك فخشي من تخطيطهم للإنقضاض على إسطنبول في غيابه، فبدأ بالتجهيز لغزو الشام ومصر[19].

ـ الحرب مع المماليك:

بعد قبول المماليك لعدد كبير من رجال الدولة الفارين وبعد إجراء اتفاق باطني مع الصفويين وبعد ورود معلومات استخباراتية للسلطان سليم الأول تفيد بتحريك الممالك لجيوشهم إلى القرب من الحدود العثمانية استعدادا ً للهجوم على الدولة العثمانية بعد انطلاق سليم الأول صوب إيران.[20]

وجد السلطان سليم الأول أنه من الصواب تصفية الدولة المملوكية قبل الانطلاق نحو إيران، وبعد رفض المماليك مرور الجيش العثماني بقيادة خادم سنان باشا من سوريا، عام 1916، فاض غضب السلطان سليم الاول وأمر بتجهيز الجيش وبتاريخ 5 يونيو 1516 انطلق بجيشه الجرار نحو مصر، قبل الانطلاق نحو مصر أراد السلطان سليم الأول فتح الشام، التي كانت تُعتبر أحد ولايات مصر، ومن ثم الانطلاق نحو القاهر معقل المماليك.[21]

خاض السلطان سليم الأول، في 24 أغسطس 1516، معركة مرج دابق بالقرب من حلب ومن خلالها استطاع فتح بلاد الشام وبعد اتمامه لفتح جميع ولايات الشام أكمل مسيره نحو مصر، خلال طريقه نحو مصر وصل إلى القدس، بتاريخ 30 ديسمبر 1516، وأعلن الحماية العثمانية عليه، وفي 2 يناير 1517 وصل إلى غزة ودخلها دون حرب.[22]

وصل السلطان سليم الأول مشارف القاهرة وواجه الجيش المملوكي بقيادة طومان باي، في 22 يناير 1517، وانتصر على طومان باي وجيشه، وبعد وقوع طومان باي بالهزيمة فر وبعض جنده من أرض المعركة وفي 24 يناير 1517 دخل السلطان سليم القاهرة.[23]

دخل السلطان سليم القاهرة وسط مراسم استقبال شعبية ورسمية مُهيبة، وبعد وصوله للقاهرة تسلم الخلافة من الخليفة العباسي المتوكل على الله الثالث، بعض المصادر تُشير إلى أنه أخذها غصبا ً وبعضها تؤكد أنه تُوج بها من قبل المتوكل على الله الثالث عن سابق رغبة، وبذلك يُعد السلطان سليم الأول أول الخلفاء العثمانيين، وحمل سليم بعد هذا التاريخ لقب خادم الحرمين الشريفين كأول زعيم إسلامي يحمله .[24]

استمر طوماني باي في محاربة الجيش العثماني في إطار حرب فر وكر، ولكن في 13 أبريل 1517 تمكن الجيش العثماني منه وأُعدم بنفس اليوم على باب قلعة القاهرة، وبذلك تكون عتبة التاريخ الخاصة بالدولة المملوكية قد انتهت وبدأت عتبة التاريخ العثمانية التي بدأت بسيطرتها على منطقة الشرق الأوسط بعد هذا التاريخ.[25]

قبل انطلاق السلطان سليم الأول نحو بلاد الشام ومصر وبعد فرض حكمه عليهم أرسل الشاه إسماعيل العديد من الرسل والرسائل التي تحتوي مضمون عقد السلام مابين الدولة الصفوية والدولة العثمانية. رفض السلطان سليم الأول جميع عروض السلام التي عُرضت عليه من قبل الشاه إسماعيل قبل فتح بلاد الشام ومصر، وتروي الوثائق التاريخية بأن الشاه إسماعيل أصابه القلق خوفا ً من إمكانية إزدياد قوة السلطان سليم الأول بعد فتحه لبلاد الشام ومصر ورأى بأن الغنائم التي سيحصل عليها سليم الأول، ستمكنه لا محال من محو وجوده في إيران تماما ً.[26]

بعد استمرار إرسال الشاه إسماعيل للرسل والرسائل الداعية للسلام بين الدولتين، لاحظ السلطان سليم الأول الإرهاق الشديد الذي طال جنده نتيجة لحرب فتح الشام والمصر، التي امتدت لقرابة العام، لذا قرر قبول إقامة السلام مع الشاه إسماعيل، ولكن حتى يضمن غدر الشاه إسماعيل أمر بتقوية الحماية على الثغور الشرقية الواقعة بمحازة الدولة الصفوية.[27]

عاد السلطان يووز سليم إلى إسطنبول عام 1517، بعد قدومه لإسطنبول على الفور أمر بتجهيز الجيش للإنطلاق نحو الغرب وأوروبا، استغرق تجهيزه للجيش والعتاد ثلاث سنوات، وبعد تحقيق العدة والعتاد المطلوبين انطلق، بتاريخ 26 أغسطس 1520، نحو إديرنة.[28]

ولكن بسبب خروج بعض الرقاقات الحمراء في ظهره لم يستطع استكمال مسيرته نحو أوروبا، على الرغم من تلقيه علاج مستمر لمدة أربعين من قبل الطبيب الأعلى أحمد شلبي إلا أنه لم يتعافي من مُصابه وفي 21 سبتمتبر 1520 وفاته المنية منتقلا ً إلى مثواه الأخير.[29]

بعد وفاته نُقل جسده من إيديرنة إلى إسطنبول ودُفن بالقرب من جامع السلطان سليم، وتولى السلطنة من خلفة السلطان سليمان القانوني ابنه الوحيد. على الرغم من قصر المدة التي حكم بها سليم الأول إلا أنها كانت حافلة بالكثير من التغيرات والمفاصل التاريخية أهمها تحول الخلافة الإسلامية إلى الدولة العثمانية.

الخلافه العثمانيه 10

بعد وفاة السُّلطان محمَّد الفاتح تولَّى ابنه بايزيد الثاني (886هـ / 918هـ) السُّلطة في البلاد، وكان سلطاناً وديعاً، نشأ محبَّاً للأدب، متفقِّهاً في علم الشَّريعة الإِسلاميَّة، شغوفاً بعلم الفلك. واستعان بالخبراء الفنِّيِّين اليونانيِّين، والبلغاريِّين في تحسين شبكة الطُّرق، والجسور؛ لربط أقاليم الدَّولة ببعضها.

أولاً: الصراع على السُّلطة مع أخيه:

كان الأمير «جم» عندما بلغه وفاة أبيه يقيم في بروسة، وقد استطاع أن يتحصَّل على اعتراف السُّكان به سلطاناً على الدَّولة العثمانيَّة في المناطق الخاضعة له، وبعد أن استتبَّ له الأمر في بروسة وما حولها؛ أرسل إِلى أخيه بايزيد يطلب منه عقد الصُّلح، ويقترح عليه التَّنازل، أو تقسيم الدَّولة العثمانيَّة إِلى قسمين: القسم الأوربيِّ لبايزيد، والقسم الآسيويِّ له، لكن بايزيد رفض؛ وأصرَّ على أن تبقى الدَّولة موحَّدةً تحت سلطته، وأعدَّ جيشاً ضخماً سار به إِلى بروسة، وهاجمها، وفرَّ منها «جم» إِلى سلطان المماليك قايتباي في مصر فرحَّب به، وأكرمه، وأمدَّه بجميع ما احتاجه من أموالٍ للسَّفر مع أسرته إِلى الحجاز؛ لأداء فريضة الحجِّ.

ولما عاد من الأراضي المقدَّسة إِلى مصر أرسل إِليه السُّلطان بايزيد يقول له: (بما أنَّك اليوم قمت بواجباتك الدِّينية في الحجِّ، فلماذا تسعى إِلى الأمور الدُّنيويَّة، من حيث إنَّ المُلك كان نصيبي بأمر الله، فلماذا تقاوم إِرادة الله؟ فأجابه بقوله: هل من العدل أن تضطجع على مهد الرَّاحة، والنَّعيم، وتقضي أيامك بالرَّغد واللَّذات، وأنا أحرم من اللَّذة والرَّاحة، وأضع رأسي على الشَّوك؟! وقام «جم» بالاتِّصال بكبار أتباعه في الأناضول، وأثارهم ضدَّ بايزيد، وتقدَّم بأتباعه ليغتصب العرش، ولكنَّه هزم، واستأنف المحاولة، فهزم أيضاً.

والتجأ «جم» إِلى رودس حيث يوجد بها فرسان القدِّيس يوحنا، وعقد مع رئيس الفرسان اتفاقاً إِلا أنَّه نقضه تحت ضغط بايزيد، وأصبح «جم» سجيناً في جزيرة رودس، وكسب فرسان القدِّيس يوحنا بهذه الرَّهينة الخطيرة امتيازاتٍ، طَوْراً من بايزيد الثَّاني، ومرَّةً أخرى من أنصار «جم» بالقاهرة، فلمَّا تحصَّل رئيس الفرسان على أموالٍ ضخمةٍ؛ باع رهينته للبابا أنوست الثَّامن، فلمَّا مات هذا البابا ترك «جم» لخلفه إِسكندر السَّادس، ولكنَّ الأخير لم يبق على «جم» كثيراً؛ حيث قُتل، واتُّهم في ذلك بايزيد الثَّاني؛ الَّذي تخلَّص من خطر أخيه.

ثانياً: موقف السُّلطان بايزيد من المماليك:

حدثت معارك بين العثمانيِّين، والمماليك على الحدود الشَّاميَّة، إِلا أنَّها لم تحتدم إِلى حدِّ التهديد بحدوث حربٍ شاملةٍ بينهما، وإِن كانت قد أسهمت في أن يخيِّم شعورٌ بعدم الثِّقة بينهما، الأمر الَّذي أدَّى إِلى تعثُّر مفاوضات الصُّلح سنة 1491م ومع أنَّ السُّلطان المملوكي «قايتباي» قد ساورته مخاوف من احتمال قيام حربٍ واسعةٍ بينه وبين العثمانيِّين سواءٌ لإِدراكه ما كان عليه العثمانيُّون من قوَّةٍ، أو لانشغال جزءٍ هامٍّ من قوَّاته في مواجهة البرتغاليِّين، إِلا أنَّ السلطان العثمانيَّ «بايزيد الثاني» قد بدَّد له هذه المخاوف، حيث قام بإِرسال رسولٍ من قبله إِلى السُّلطان المملوكي سنة 1491م ومعه مفاتيح القلاع الَّتي استولى عليها العثمانيُّون على الحدود: وقد لقي هذا الأمر ترحيباً لدى السُّلطان المملوكي، فقام بإِطلاق سراح الأسرى العثمانيِّين، وأسهمت سياسة بايزيد السِّلميَّة في عقد صلحٍ بين العثمانيِّين والمماليك في السَّنة نفسها (1491م) وظلَّ هذا الصُّلح سارياً حتَّى نهاية عهد السُّلطان بايزيد الثَّاني عام 1512م، وأكَّد هذا الحدث حرص السُّلطان بايزيد على سياسة السَّلام مع المسلمين.

ثالثاً: وقوفه مع مسلمي الأندلس:

تطوَّرت الأحداث في شبه الجزيرة الأيبيريَّة في مطلع العصور الحديثة، فأصبح اهتمام الأسبان ينحصر في توحيد أراضيهم، وانتزاع ما تبقى للمسلمين بها خصوصاً بعدما خضعت لسلطةٍ واحدةٍ بعد زواج إيزابيلا ملكة قشتالة، وفرديناند ملك أراغون، فاندفعت الممالك الإسبانيَّة المتَّحدة قبيل سقوط غرناطة في تصفية الوجود الإِسلامي في كلِّ إسبانيا، حتَّى يفرِّغوا أنفسهم، ويركِّزوا اهتمامهم على المملكة الإِسلاميَّة الوحيدة غرناطة، الَّتي كانت رمزاً للمملكة الإِسلاميَّة الذَّاهبة.

وفرضت إسبانيا أقصى الإِجراءات التَّعسُّفيَّة على المسلمين في محاولةٍ لتنصيرهم، وتضييق الخناق عليهم؛ حتَّى يرحلوا عن شبه الجزيرة الأيبيريَّة.

نتيجةً لذلك لجأ المسلمون ـ المورسكيون ـ إِلى القيام بثوراتٍ، وانتفاضاتٍ في أغلب المدن الإسبانية والَّتي يوجد بها أقليَّةٌ مسلمةٌ، وخاصَّة غرناطة، وبلنسية، وأخمدت تلك الثَّورات بدون رحمةٍ، ولا شفقةٍ من قبل السُّلطات الإسبانيَّة الَّتي اتُّخذت وسيلةً لتعميق الكره والحقد للمسلمين، ومن جهةٍ أخرى كان من الطَّبيعي أن يرنو المورسكيون بأنظارهم إِلى ملوك المسلمين في المشرق، والمغرب لإِنقاذهم، وتكرَّرت دعوات وفودهم، ورسائلهم إِليهم للعمل على إِنقاذهم ممَّا يعانونه من ظلمٍ، وخاصَّةً من قبل رجال الكنيسة، ودواوين التَّحقيق الَّتي عاثت في الأرض فساداً، وأحلت لنفسها كلَّ أنواع العقوبات، وتسليطها عليهم.

وكانت أخبار الأندلس قد وصلت إِلى المشرق، فارتجَّ لها العالم الإِسلاميُّ. وبعث الملك الأشرف بوفودٍ إِلى البابا، وملوك النَّصرانيَّة يذكِّرهم بأنَّ النَّصارى الذين هم تحت حمايته يتمتَّعون بالحرِّيَّة في حين: أنَّ أبناء دينه في المدن الإسبانيَّة يعانون أشدَّ أنواع الظُّلم، وقد هدَّد باتباع سياسة التَّنكيل، والقصاص تجاه الرَّعايا المسيحيين؛ إِذا لم يكف ملك قشتالة، وأراغون عن هذا الاعتداء، وترحيل المسلمين عن أراضيهم، وعدم التَّعرض لهم، وردِّ ما أخذ من أراضيهم. ولم يستجب البابا، والملكان الكاثوليكيَّان لهذا التَّهديد من قبل الملك الأشرف، ومارسوا خطَّتهم في تصفية الوجود الإِسلامي في الأندلس، وجُدِّدت رسائل الاستنجاد لدى السُّلطان العثماني بايزيد الثَّاني، فوصلته هذه الرِّسالة: (..الحضرة العليَّة، وصل الله سعادتها، وأعلى كلمتها، ومهَّد أقطارها، وأعزَّ أنصارها، وأذلَّ عداتها! حضرة مولانا، وعمدة ديننا، ودنيانا السُّلطان الملك النَّاصر، ناصر الدُّنيا والدِّين، سلطان الإِسلام والمسلمين، قامع أعداء الله الكافرين، كهف الإِسلام، وناصر دين نبيِّنا محمَّد عليه السَّلام، محيي العدل، ومنصف المظلوم ممَّن ظلم، ملك العرب والعجم، والتُّرك والدَّيلم، ظلُّ الله في أرضه، القائم بسنَّته، وفرضه، ملك البرَّين، وسلطان البحرين، حامي الذِّمار، وقامع الكفَّار، مولانا، وعمدتنا، وكهفنا، وغيثنا، لا زال ملكه موفور الأنصار، مقروناً بالانتصار، مخلَّد المآثر، والآثار، مشهور المعالي والفخار، مستأثراً من الحسنات بما يضاعف به الأجر الجزيل في الدَّار الآخرة، والثَّناء الجميل، والنَّصر في هذه الدَّار، ولا برحت عزماته العليَّة مختصَّةً بفضائل الجهاد، ومجرِّدةً على أعداء الدِّين من بأسها ما يروي صدور السَّحر، والصِّفاح، وألسنة السِّلاح باذلةً نفائس الذَّخائر في المواطن الَّتي تألف فيها الأخاير مفارقة الأرواح للأجساد، سالكةً سبيل السَّابقين الفائزين برضا الله، وطاعته يوم يقوم الأشهاد).

وكانت ضمن الرِّسالة أبيات قصيدةٍ يمدح صاحبُها فيها الدَّولةَ العثمانيَّة والسُّلطان بايزيد، ويدعو للدَّولة بدوام البقاء، وقد وصفت القصيدة الحالة الَّتي يعاني منها المسلمون، وما تعرَّض له الشُّيوخ والنِّساء من هتكٍ للأعراض، وما يتعرَّض له المسلمون في دينهم، وقد كانت هذه هي رسالة الاستنصار الّتي بعث بها المسلمون في الأندلس لإنقاذ الموقف هناك، وكان السّلطان بايزيد يعاني من العوائق الّتي تمنعه من إرسال المجاهدين، بالإضافة إلى مشكلة النّزاع على العرش مع الأمير «جم» وما أثار ذلك من مشاكل مع البابويّة في روما وبعض الدّول الأوربيّة، وهجوم البولنديّين على مولدافيا، والحروب في ترانسلفانيا، والمجر، والبندقيَّة، وتكوين التَّحالف الصَّليبي الجديد ضدَّ الدَّولة العثمانيّة من البابا جويلس الثَّاني وجمهورية البندقيَّة، والمجر، وفرنسا، وما أسفر عنه هذا التَّحالف من توجيه القوّة العثمانيَّة لتلك المناطق، ومع ذلك قام السّلطان بايزيد بتقديم المساعدة، وتهادن مع السّلطان المملوكي الأشرف لتوحيد الجهود من أجل مساعدة غرناطة، ووقَّعا اتفاقاً بموجبه يرسل السُّلطان بايزيد أسطولاً على سواحل صقلِّية باعتبارها تابعةً لمملكة إسبانيا، وأن يجهّز السّلطان المملوكي حملاتٍ أخرى من ناحية أفريقية.

وبالفعل أرسل السُّلطان بايزيد أسطولاً عثمانيَّاً تحوَّل إلى الشّواطئ الإسبانيَّة، وقد أعطى قيادته إلى كمال رايس الذي أدخل الفزع، والخوف، والرّعب في الأساطيل النَّصرانية في أواخر القرن الخامس عشر، كما شجَّع السُّلطان بايزيد المجاهدين في البحر بإبداء اهتمامه، وعطفه عليهم، وكان المجاهدون العثمانيُّون قد بدؤوا في التَّحرك لنجدة إخوانهم المسلمين، وفي نفس الوقت كانوا يغنمون الكثير من الغنائم السَّهلة الحصول من النَّصارى، كذلك وصل عددٌ كبيرٌ من المجاهدين المسلمين أثناء تشييد الأسطول العثمانيّ، ودخلوا في خدمته. بعد ذلك أخذ العثمانيُّون يستخدمون قوَّتهم البحريَّة الجديدة في غرب البحر المتوسط بتشجيع من هؤلاء المجاهدين، وهذا الذي كان في وسع السُّلطان بايزيد الثَّاني فعله لاشكَّ أنَّ تصرفات «جم» المشينة كانت سبباً أعاق حركة التوسُّع الإقليمي، وعرقلت السُّلطان بايزيد عن العمل الخلاق، وأصبح اهتمام السُّلطان منصبّاً على تعقُّب أخبار أخيه، والعمل على التخلص منه بكلِّ الوسائل.

وعلى العموم، فقد استطاع بايزيد أن يحرز نصراً بحرياً على البنادقة في خليج لبانتو ببلاد اليونان عام 1499م/905هـ وفي العام التَّالي استولى على مدينة لبانتو، وباستيلاء العثمانيين على مواقع البنادقة في اليونان، أقام البابا (إِسكندر السَّادس)ـ بناءً على طلب البنادقةـ حلفاً ضدَّ العثمانيِّين مكوَّناً من فرنسا، وإسبانيا. وتعرَّض العثمانيُّون لهجوم الأساطيل الثلاثة: الفرنسي، والإِسباني، والبابوي، واستطاعت الدَّولة العثمانيَّة أن تعقد صلحاً مع البنادقة.

وكان بايزيد ميَّالاً للسَّلام، ونشطت العلاقات الدِّبلوماسيَّة بين الدَّولة العثمانيَّة وأوربة، وكانت من قبل مقصورةً على البلاد الواقعة على حدودها، ولكنَّها أقيمت بينها وبين البابوية، وفلورنسا، ونابلي، وفرنسا، وعقد صلحاً مع البنادقة، والمجر.

الخلافه العثمانيه 9

ولد محمد الفاتح في 30 آذار/ مارس 1432، في مدينة أدرنة التي كانت عاصمة الدولة العثمانية آنذاك، وتربى في كنف أبيه السلطان مراد الثاني، الذي تعهده بالرعاية والتعليم ليهيئه للسلطنة.

أتمّ الفاتح حفظ القرآن، وقرأ الحديث وتعلم الفقه، ودرس الرياضيات والفلك وأمور الحرب، وتعلم اللغات العربية، والفارسية، واللاتينية، واليونانية.

ولّاه والده إمارة مغنيسيا وهو صغير السن، ليتدرب على ولاية شؤون الدولة وتدبير أمورها، بإشراف علماء عصره منهم الشيخ آق شمس الدين والملا الكوراني، مما أثر في تكوين شخصيته وبنائها بناء صحيحا.

بعد زواج السلطان الفاتح من ابنة سليمان بك، أمير إمارة ذي القدر، انتقل إلى مغنيسيا التي تولى إمارتها. وبعد مدة توفي والده مراد الثاني في مدينة أدرنة، فأسرع إليها ووصلها على جواده حيث استقبله كبار رجال الدولة والعلماء لتقديم العزاء له.

في يوم 18 شباط/ فبراير 1451، تولى السلطان محمد الفاتح عرش آبائه وهو في الحادية والعشرين من عمره، وقام في أثناء حكمه بفتح مدينة القسطنطينية، ويعد هذا الفتح من أعظم أعماله وإنجازاته.

وفاة السلطان محمد الفاتح

كان من بين أهداف الفاتح غزو روما، ليجمع فخرا جديدا إلى جانب فتح القسطنطينية، وكانت بداية خطته لغزو إيطاليا تجهيز أسطول عظيم.

تمكن الفاتح من إنزال قواته ومدافعه بالقرب من مدينة أوترانت، واستولت القوات على قلعتها في تموز/ يوليو 1480، وأراد الفاتح اتخاذ تلك المدينة قاعدة يزحف منها شمالا في شبه جزيرة إيطاليا،حتى يصل إلى روما، ولكنه لم يستطع التقدم بجيشه.

توفي السلطان محمد الفاتح يوم 3 أيار/ مايو 1481 عن ناهز عمر 49 عاما، بعد أن حكم 30 عاما.

يعتقد بعض المؤرخين أن إيطاليا كانت وراء موت السلطان الفاتح،فقد عرض أهل البندقية على طبيبه الخاص يعقوب باشا (يهودي الديانة، ومُدّعي الإسلام، المولود في إيطاليا) اغتيال الفاتح.

بدأ يعقوب بدس السم تدريجيا للسلطان، وعندما علم بأمر الحملة زاد جرعة السم، وانفضح أمره فيما بعد، فأعدمه حرس السلطان.

وهناك قول آخر لمؤرخين آخرين، وهو أن طبيبه الفارسي اﻷصل هو الذي سمّمه، وقد تمت عدة محاولات لاغتياله عبر السنين.

وصل خبر موت السلطان إلى البندقية بعد 16 يوما، جاء الخبر في رسالة البريد السياسي إلى سفارة البندقية في القسطنطينية، بجملة واحدة:

“لقد مات العقاب الكبير”

وانتشر الخبر في البندقية ثم إلى باقي أوروبا، وراحت الكنائس تدق أجراسها مدة ثلاثة أيام بأمر من البابا، إضافة لتأديتهم صلاة الشكر.

وكان لموته دوي هائل في أوروبا، التي تنفست الصعداء عندما علمت بوفاته.

دفن السلطان محمد الفاتح في المدفن المخصوص الذي أنشأه في أحد الجوامع التي أسسها في إسطنبول، وسُمّي الجامع باسمه جامع الفاتح، ويقصده المسلمون من جميع بقاع الأرض لزيارة ضريحه، كما يقصده السياح.

ترك الفاتح وراءه سمعة مهيبة في جميع أصقاع الأرض، وحقق في حياته مع الفتوحات، الكثير من الإنجازات اﻹدارية الداخلية.

الخلافه العثمانيه 8

ولد السلطان “مراد الثاني” في مدينة “أدرنه” عام 1404م الموافق 806 للهجرة، وهو السلطان “مراد بن محمد الأول بن بايزيد بن مراد الأول بن أورخان غازي بن عثمان أرطغرل”، سادس سلاطين الدولة العثمانية، حيث تولى حكم الدولة العثمانية بعد وفاة والده السلطان “محمد الأول جلبي” في الفترة الممتدة ما بين عامي 1421م حتى 1451م، وهو في الثامنة عشر من عمره.

اشتهر بين قومه بالعدل والتقوى، وحبه الشديد للجهاد، كما اتصف بالشجاعة، وحبه للعلم، وتعلقه باللغة العربية، فكان أول من تعلم فن الخط العربي من سلاطين الدولة العثمانية، وكان محباً للشعر أيضاً، وقد أُطلِق عليه لقب “كُجا سُلطان” وتعني السُلطان الكبير.

عمل السلطان “مراد الثاني” منذ توليه الحكم على إعادة بسط نفوذه على إمارات الأناضول التي انفصلت عن الدولة العثمانية بعد غزو “تيمور لنك”، فعقد هدنة مع المجر، وأبرم صلحًا مع أمير القرمان من أجل التفرغ لاستعادة السيطرة على إمارات الأناضول المنفصلة.

تمكن خلال فترة حكمه من القضاء على التمردات الداخلية التي قامت بزعامة عمه “مصطفى بن بايزيد” الذي تلقى دعمه المباشر من إمبراطور القسطنطينية “إيمانويل الثاني”، وذلك بعد أن رفض السلطان “مراد الثاني” طلب الإمبراطور “إيمانويل” الذي طالب بتعهد السلطان “مراد” بعدم محاربته مطلقا، وتسليمه أخواه كضمانة لهذا الاتفاق.

تمكن السلطان “مراد” عام 834 للهجرة من فتح “ألبانيا”، كما تمكن من استعادة “سالونيك” من البندقية، كما تمكن من الانتصار على ملوك أوروبا في واقعة “فارنا” عام 848 للهجرة، والتي تحالف فيها ملوك أوروبا بعد أن قام “بابا روما” بإقناع ملك المجر بنكث العهد الذي بينه وبين “مراد الثاني”، فجمعوا جموعهم والتقى الجيشان في مدينة “فارنا” البلغارية، حيث تمكن الجيش العثماني من دحر الجيش الصليبي بعد أن قُتِل ملك المجر في المعركة.

توفي السلطان “مراد الثاني” عام 1451م، وتسلم مقاليد الحكم من بعد ابنه “محمد الفاتح” الذي ظفر بفتح القسطنطينية عام 1453م.

الخلافه العثمانيه 7

ولد السلطان “محمد الأول بن بايزيد الأول بن مراد الأول” عام 1390م، وهو خامس سلاطين الدولة العثمانية. تولى الحكم بعد أن أُسِر والده السلطان “بايزيد الأول” بيد “تيمور لنك” عام 1402م بواقعة “أنقرة”، إلا أن الفترة التي تلت وفاة والده شهدت صراعاً بين السلطان “محمد الأول” وأخوته، لذا لم يكن حكمه مستقراً، إلى أن تمكن من الانفراد بالعرش عام 1413م وهو في الرابعة والثلاثين من عمره.

كان ذو قامة متوسطة، أبيض اللون، ذو قوة بدنية، وكان محباً للشعر والأدب، وقد اكتسب بين قومه لقب “جلبي” وتعني النبيل، كما وصفه الكثير من المؤرخين بأنه أحد أكثر السلاطين العثمانيين نبلاً وإنسانية.

شهدت فترة حكمه العديد من الحروب الداخلية، من أجل إعادة نفوذ الدولة العثمانية التي خسرت قرابة 26% من مساحتها بعد وفاة السلطان “بايزيد الأول”، لذا كانت فترة حكمه محملة بالأعباء، ومن أجل التفرغ لإنهاء الصراعات الداخلية عمل السلطان “محمد الأول” على اتباع سياسة سلمية مع أعداء الدولة العثمانية في الخارج، فعقد الهُدن مع جمهوريات “البندقية، جنوة، راجوزة، وممثلي الصرب”.

عمل منذ توليه الحكم على إبعاد السياسيين الذين أوصلوا والده إلى كارثة “أنقرة”، واستبدلهم برجال الدين المحافظين، ثم أمضى سنين حكمه في محاولة إعادة بناء الدولة، وتوطيد أركانها، حتى اعتبره بعض المؤرخين المؤسس الثاني للدولة العثمانية.

توفي السلطان “محمد الأول” عام 1421م في “أدرنه” وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، ونقل إلى “بورصة” ليدفن هناك، إلا أن خبر وفاته لم يعلن لمدة 41 يوماً إلى حين وصول ابنه “مراد الثاني” إلى “أدرنه” ليتولى الحكم من بعده.

الخلافه العثمانيه 6

ولد السلطان “بايزيد الأول” رابع سلاطين الدولة العثمانية عام 1345م، وهو “بايزيد بن مراد الأول بن أورخان غازي بن عثمان بن أرطغرل”، تولى الحكم بعمر 30 عاما بعد استشهاد أبيه السلطان “مراد الأول” عام 1389م.

اشتهر بحماسته الشديدة للإسلام، وسرعة انقضاضه المفاجئ على العدو حتى لقب باسم “يلدرم” أي الصاعقة، وكان مجرد ذكر اسمه يوقع الرعب في نفوس الأوروبيين، وقد شهدت الدولة العثمانية في عهده عدة انتصارات، أبرزها انتصاره في معركة “نيكوبوليس” التي أودت بسقوط “بلغاريا”.

عمل السلطان “بايزيد الأول” على توحيد الأناضول بعد أن استعصى ذلك على والده السلطان “مراد الأول”، حيث كانت منقسمة لعدة إمارات يحكمها أمراء متغلبون على رقاب المسلمين، ففي عام 1392م تمكن من ضم إمارات ” منتشا”، وآيدين”، و”صاروخان” إلى نفوذ الدولة العثمانية دون إراقة للدماء، ومن ثم قام بمهاجمة إمارة “القرمان” واتبعها بإمارة “سيواس”، ثم تابع طريقه وصولاً إلى إمارة ” اصفنديار” وضمها إلى الدولة العثمانية.

وبعد أن تمكن من القضاء على ثورات الأناضول، تفرغ لمحاربة أوروبا بعد أن عقد حلفاً مع الصرب، وبها أصبحت “صربيا” حاجزاً بينه وبين “إمبراطورية المجر” أقوى الممالك الأوروبية آنذاك، ونتيجة لهذا سقطت “بلغاريا” على يده، وقد اقسم السلطان بايزيد على أنه لن يتراجع عن غزو أوروبا قبل أن يطعم فرسه الشعير في مذبح القديس بطرس في الفاتيكان، إلا أن هجوم “تيمور لنك” من الشرق حال بينه وبين تحقيق طموحه في غزو أوروبا.

في عام 1402م تمكن جيش “تيمور لنك” من هزيمة جيش “بايزيد الأول” في معركة أنقرة، ونتيجة لهذا تم أسر السلطان “بايزيد الأول” وابنه “موسى”، وقد بقي حوالي 8 شهور في الأسر، إلى أن توفي في العاشر من مارس عام 1403م، وبعد وفاته سمح “تيمور لنك” لابنه “موسى بن بايزيد” بنقل جثمان ابيه، حيث دُفن في مدينة “بورصة” شمال غرب تركيا

الخلافه العثمانيه 5

جلس مراد على سرير الملك سنة 761هـ- 1360م، فكانت فاتحة أعماله احتلال مدينة أنقرة، وفي سنة 762هـ- 1361م، سلمت أدرنة للعثمانيين بعد قتال قليل، ولأهمية موقع أدرنة الجغرافي نقل إليها السلطان تخت المملكة العثمانية واستمرت عاصمة لها إلى أن فتحت القسطنطينية سنة 857هـ- 1453م، ثم فتح العثمانيون فيلبه عاصمة الروملي الشرقية وردار وكملنجة، وبذلك صارت القسطنطينية محاطة من جهة أوربا بأملاك آل عثمان، وفصلت عن باقي الإمارات المسيحية الصغيرة التي كانت شبه جزيرة البلقان مجزأة بينها وصارت الدولة العلية متاخمة لإمارات الصرب والبلغار وألبانيا، فاضطرب لذلك الملوك المسيحيون المجاورون للدولة العثمانية وطلبوا من البابا أوربانوس الخامس أن يتوسط لدى ملوك أوربا الغربيين ليساعدوهم على محاربة المسلمين وإخراجهم من أوربا خوفاً من امتداد فتوحاتهم إلى ما وراء جبال البلقان إذ لو اجتازوها بدون معارضة و مقاومة في مضايقها لم يقو أحد بعد ذلك على إيقاف تيار فتوحاتهم ويخشى بعدها على جميع ممالك أوربا من العثمانيين، فلبى البابا استغاثتهم وكتب لجميع الملوك بالتأهب لمحاربة المسلمين وحرضهم على محاربتهم محاربة دينية حفظاً للدين المسيحي من الفتوحات الإسلامية.

لم ينتظر أوروك الخامس ملك الصرب وصول المدد إليه من أوربا، بل استعان بأمراء بوسنة والفلاخ وبعدد عظيم من فرسان المجر وسار بهم لمهاجمة أدرنة، فلما وصل خبر تقدمهم إلى آذان العثمانيين قابلوهم على شاطئ نهر ماريتزا وفاجأوهم في ليلة مظلمة بقوة عظيمة ألقت الرعب في قلوبهم ولم يلبثوا إلا قليلاً حتى ولوا الأدبار، وأما السلطان مراد فكان في هذه الأثناء مشتغلاً بالقتال في بلاد آسيا الصغرى حيث فتح عدة مدن.

وفي سنة 781هـ- 1379م، اتحد لازر جربلينا ملك الصرب مع سيسمان أمير البلغار على محاربة العثمانيين، لكنهما بعد عدة مناوشات تحققا في خلالها عجزهما عن مكافحة عساكر العثمانيين، وأبرما الصلح مع السلطان.

وفي سنة 783هـ- 1381م، أخذت الفتوحات سيرها الأول، فحارب ديبورطاش الصرب والبلغار لتأخيرهما في دفع الخراج المتفق عليه، وفتح مدائن مناستر وبرانة واستيب، ووقعت صوفيا في قبضة العثمانيين بعد محاصرة استمرت ثلاث سنين، وعقب ذلك فتح الصدر الأعظم خير الدين باشا سلانيك، والخلاصة فقد زال استقلال الصرب كما فقدت البلغار والرومللي والأناضول استقلالها، وتم النصر والغلبة للعثمانيين.

وبينا السلطان مراد يمر بين القتلى إذ قام من بينهم جندي من الصرب وطعن السلطان طعنة كانت هي القاضية عليه.

الخلافه العثمانيه

أبو الملوك “عثمان بن أرطغرل” مؤسس الدولة العثمانية
2015-10-09 منوعات

ولاء خضير – ترك برس

كثيرون هم من استطاعوا أن يُسّطروا عناوين النصر والمجد في حياتهم، ولكن قليلون من تمكنوا أن يورثوا هذه الأمجاد لأبنائهم، بل جعل هذا المجد ميراثا في ذريته على مدى قرون عديدة، نتحدث هنا عن القائد العثماني عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية.

نتعرف في هذا التقرير على سيرة وحياة أَبُو المُلُوك، السُّلطان الغازي عُثمان خان الأوَّل بن أرطُغرُل بن سُليمان شاه القايوي التُركماني.

اسمه عثمان بن سليمان شاه التركماني، المعروف بعثمان الأول، والذي يرجع نسبه إلى التركمان النزالة، الرحالة من طائفة التتار والمغول.

يعتبر عثمان الأول، مُؤسس السُلالة العُثمانيَّة التي حكمت البلقان، والأناضول، والمشرق العربي، وشمال أفريقيا طيلة 600 عام، إلى أن انتهت عقب إعلان قيام الجُمهوريَّة التُركيَّة سنة 1922م.

كما أن عثمان كان قد شغل منصب زعيم عشيرة “قايى” التُركيَّة، وعامل سلاجقة الروم على إحدى إمارات الثُغور الأناضوليَّة.

وُلد عُثمان الأوَّل في بلدة “سوغوت” Sogud” التابعة للأناضول” سنة 656هـ المُوافق سنة 1258م، ووالده هو الأمير أرطُغرُل الغازي، وكان عامل سلاجقة الروم على إحدى الثُغور المُطلَّة على بحر مرمرة.

وصُودف أن يُولد عثمان في ذات اليوم الذي سقطت فيه مدينة بغداد في أيدي التتار، وكانت عاصمة الدولة العبَّاسيَّة، وحاضرة الخِلافة الإسلاميَّة، أي كانت الأمة الإسلامية في حالة ضعف، وتسلط من أعدائها، فنشأ ‘عثمان’ محبًا للجهاد، مشحونًا بالإيمان، تشتعل بداخله رغبة عارمة في استعادة أمجاد المسلمين، والانتقام من أعداء الإسلام.

وكان ‘عثمان’ ملازمًا لأبيه أرطغرل في جهاده ضد الصليبيين، وأيضا ملازما لأحد علماء الدين الصالحين الورعين، واسمه الشيخ ‘إده بالي’ القرماني، والذي تعلم على يديه، وتزوج ابنته “مال خاتون” بعد ذلك.

وتولّى عُثمان شؤون إمارة “قايي”، وزعامة العشيرة التركمانية، بعد وفاة والده أرطغرل، فأخلص الولاء للسلطنة السُلجوقيَّة، على الرُغم مما كانت تتخبَّط فيه من اضطراب، وما كان يتهدَّدها من أخطار.

وقاد عثمان قبيلته، وواصل بها غزواته، حتى فتح قلعة “قره” سنة 688 هـ، الموافقة سنة 1289م، وبعدها منحه السلطان السلجوقّي علاء الدين لقب “بيك”، وأقطعه جميع الأراضي التي فتحها، وأجاز له ضرب العملة باسمه، وأن يذكر اسمه في خطبة الجمعة.

وتابع فتوحاته، ففتح مدن “اينه كولي” و”يني شهر” و”كوبري حصار” و”بلجك” وغيرها.

وفي سنة 1295م، شرع عُثمان بمُهاجمة الثُغور”البيزنطيَّة” باسم السُلطان السُلجوقي علاء الدين، وباسم الخليفة العبَّاسي، ففتح عدَّة حُصون، وقاد عشيرته إلى سواحل بحر مرمرة، والبحر الأسود.